كايروكي... حين يتحول الحزن إلى صناعة

 في أول الأمر أتوا للاشتراكيين، ولم أتحدث؛ لأني لم أكن اشتراكيًا.

ثم بعد ذلك أتوا لأعضاء النقابات العمالية، ولم أتحدث؛ لأنني لم أكن عضوًا في النقابات العمالية.

ثم بعد ذلك أتوا لليهود، ولم أتحدث؛ لأني لم أكن يهوديًا.

ثم بعد ذلك أتوا من أجلي، ولم يبقَ أحدٌ ليتحدث عني.

— مارتن نيمولر

حسنًا، الصوت لا يهم، الأداء لا يهم، اللحن لا يهم، التوزيع لا يهم... الكلمات أيضًا لا تهم... فماذا تبقى من جسد الأغنية؟ لا شيء!

أنا امرأة ناضجة، خمسة وثلاثون عامًا من البؤس والشقاء، أمير عيد في الثانية والأربعين من عمره، ننتمي إلى جيل واحد، عشنا حياة واحدة وثورتين وجائحة وحروبًا لا حصر لها...

تطاردني هموم حياتي ومشاكلها، حرائق صغيرة أطفئها كل يوم، طالما حلمت بسماع أغانٍ تمثلني وتعبر عن مشاعري وشجوني، ومعاناتي من الاكتئاب والقلق والمستقبل المجهول... لكن معاناتي لا تحددني، أنا أكبر من قالب الاكتئاب والحزن، نتعايش سويًا، لكنه ليس أنا، أحاول بصعوبة أن أصبح نسخة أفضل مني، وهذا ما لا يفعله أمير عيد ورفاقه...



"إنت بتتكلم عن قصتك، وحصل إيه في حياتك في آخر أربع سنين، بتتكلم عن مرحلة جديدة، مش مرحلة زي اللي فاتت أو قبلها أو قبلها.."

قالها أمير عيد في برومو، أو إعلان، أو ديمو ألبومه، الذي تم تصويره مع محمود سعد، بفلتر ثمانيني مغبر، ومع فنان كبير كـ"محمود عزب". مرحلة جديدة من الحياة، أم هي مجرد امتداد لاجترار الحزن والأسى الماضي المستمر؟ هل معاناتك لا تنتهي فعلًا؟ أم أن هذه الحالة التي تليق بالمرحلة؟ أم هي الحالة التي "تبيع" مع جمهور كايروكي مؤخرًا؟

سمعت كل أغنية في الألبوم، لا جديد يُقال ولا قديم يُذكر، كلها نسخ مشوهة من الألبوم الماضي، نفس اجترار الأحزان، نفس الحنين البائس لأول قبلة يتذكرها هذا المراهق الأربعيني، نفس القوالب الموسيقية، نفس التوزيع، كتبت رأيي باختصار، هاجمتني الجحافل، اتهمتني بانعدام الذوق والحس الفني... تأثرت قليلًا، ومسحت كل ما كتبت، لا لشيء إلا لأني أكره الجدال والنقاش مع الغرباء.

هل يهم حقًا أول حب في حياة الإنسان، أم أن آخر حب يُحتسب؟ لم يؤثر حب الطفولة في ذاكرتي بهذا القدر، لكنه موضوع آمن ومناسب، النوستالجيا، رهان رابح في زمن يعشق المقامرة...

اعتدنا على سماع أغانٍ مختلفة، وموضوعات مختلفة، لكن اجترار نفس المعاناة وضيق التنفس لثلاثة ألبومات على التوالي، خصوصًا مع عدم تجديد أي موسيقى أو توزيع، قولبة لا تليق إلا بعمرو دياب، ثم ينفي الجميع بشدة أن هذه الأغنيات تقترب من الروك. عزيزي المستمع الشاب، ما يحدث في هذا الألبوم هو "الروك" بعينه... نفس القوالب، نفس الموسيقى، نفس الكلمات والتيمات...

متى سيكبر المراهق الأربعيني المطلّق؟ متى سيكف عن النظر إلى الخلف؟ ومتى سيطرح جديدًا على الصعيد الفني؟ وأكررها، إن تغاضينا عن ركاكة الكلمات، وبساطة الألحان، واستسهال التوزيع، فماذا سيتبقى من عناصر الأغنية التي نعرفها؟ ماذا سنقيم؟ والسؤال الأهم: لماذا ينبهر الجيل الأصغر بكل ما هو ركيك وماسخ؟

"وحدي شلت المسؤولية"، ادعاءات الوحدة والتوحد... انمساخ "سوبر نوفا" من "روكسي"، و"روكسي" من "روما"، و"روما" من "ريفو"، إلى آخره...

ما يغيظني ليس الفريق، ما يثير حفيظتي هو إصرار الجميع على جودة العمل، رغم أنه يتبع قولبة شديدة الذكاء، نجحت في نقل الفريق من أيدي جيل التسعينيات والثمانينيات البائس إلى الجيل اللاحق، ذي الموارد الأكبر، والنشاط الأكبر، وعملية غسيل الدماغ المستمرة من المعجبين، التي ستشكك في النهاية في ذائقتك الموسيقية...



مشروع كايروكي الغنائي الآمن هو بالضبط مشروع عمرو دياب الآمن... لا شيء يختلف، كلا يغني على ليلاه، وجمهور كايروكي المحب لادعاء العمق والحزن، ربما كل هذه الكلمات هي موجة من الغضب المكتوم تجاه تحول فريق غنائي من الخطوط الحمراء إلى المساحات الآمنة، ربما هو رفض داخلي للبكاء على الأطلال ورثاء الديار...

لم أمت بعد، ولن أرثي نفسي وأنا حية، والموسيقى عديمة الطعم واللون والرائحة، تفتقر إلى التجديد وتميل إلى الكسل والراحة، حتى الكلمات القوية التي كتبها مصطفى إبراهيم والراحل ميدو زهير تبدو مع ألحان كايروكي باهتة، وأدعو الجميع للمقارنة بين أغنية "عايز أوصل" لـ"مريم صالح" و"مت ليه؟" لكايروكي، ومقارنة مدى الجرأة في الطرح الموسيقي والتوزيع بين النسختين، بين نسخة أمير عيد ونسخة موريس لوقا – تامر أبو غزالة، وبصوت "مريم صالح".

أنظر إلى الخلف بحسرة، إلى ألبومات صدرت منذ حوالي عشر سنوات، كـ"ابن الليل" لـ"مشروع ليلى"، وألبومات "مريم صالح" و"المربع" وغيرهم، أتحسر وأتنهد، وأنا لا أفكر سوى أننا نحيا في زمن رديء، منتوجه الفني يشبه منتجات "بلبن"، حيث القيء الغذائي والفني هو نتاج طبيعي للقيء والقبح الفكري الذي نحيا فيه، فتحيا مصر يا عم الحاج..

ريم عصام

6 أغسطس 2026


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حد ليه شوق ف حاجة؟ -النسخة العربي..

6 أغنيات عظيمة ل"هاني شاكر"...!

كنوز مدفونة: صياد الطيور - جورج وسوف "الجزء التاني"