أوراق موسيقية (1): خالد سليم والبحث عن التناغم.
تَرَاءَى لي أنَّ دَهْراً قد مَضَى منذُ كتبتُ آخرَ مقالٍ لي، لا أدري لِمَ توقفتُ، ولِمَ عُدتُ، ربما لِحُزْنٍ، ربما لانشغالٍ، لستُ أدري، لكنَّ الشيءَ الوحيدَ الذي ظلَّ يدفعني للأمامِ ظلَّ موجوداً، إنَّها الموسيقى...
الموسيقى هي الشيءُ الوحيدُ الذي يدفعني للتشافي، والمُضيِّ للأمامِ، والسعيِ نحو التناغمِ، والموسيقى، مرَّ زمنٌ طويلٌ مُذ كتبتُ شيئاً مفعماً بالمشاعرِ، ولم أكتب مقالاً موسيقياً منذ ردحٍ من الزمنِ، فقط أطروحةَ الماجستير، وساعدني فيها الذكاءُ الاصطناعيُّ، وبعضُ منشورات "لينكد إن" هنا وهناك، جميعُها بلا مشاعر، لا أكتبُ لجمهورٍ، ولا أتوقعُ جمهوراً، فقط أكتبُ ما بداخلي وكفى..
دَفَعني حُبِّي الغامرُ لأغنيةٍ معينةٍ للبحثِ، وربما إمساكي بطرفِ الخيطِ قادني إلى ثُقبٍ أسودَ من المعلوماتِ المتضاربةِ والمنقوصةِ، ففكَّرتُ أن أُمسِكَ بأوَّلِ طرفِ الخيطِ، وأتناولَ رحلةَ "خالد سليم" الموسيقيَّةَ من المُبتدإِ وحتَّى وقتِنا هذا.
بداخلي شيءٌ كبيرٌ، يريدُ الكتابةَ عن "خالد سليم"، لا أدري لماذا، كانت مسيرةً كبيرةً، وصوتاً واعداً، توقَّفَ قطارُهُ في محطةٍ خاطئةٍ، برغمِ كلِّ مقوماتِ النجاحِ، بقصدٍ أو بغيرِ قصدٍ، هذا الرجلُ بمسيرتِهِ الحافلةِ، له الكثيرُ من التأثيرِ على مشاعرِ العبدِ الفقيرِ إلى اللهِ، لا أدري كيفَ ومتى ولماذا... صعودُهُ كفنانٍ صادَفَ صعودي كمراهقةٍ، متعطشةٍ لكلِّ شيءٍ جديدٍ وجيدٍ، و"خالد سليم" كان جديداً، وبالقطعِ، كان جيداً..جدا..
الخطوةُ الأولى – ألبوم "عالم تاني" – العام 2000.
علامةُ العملِ الموسيقيِّ الجيدِ هي الاستمراريةُ، موسيقى عابرةٌ للزمنِ وتغيُّرِ الموضةِ الموسيقيةِ، وهذا هو ملخصُ ألبوم "عالم تاني"، قدَّمَ "خالد سليم" فيه تعاوناً موسيقياً مع نجومٍ صاعدةٍ، وربما مجهولةٍ على المجالِ الفنيِّ المصريِّ بشكلٍ عامٍ، وتعاونَ مع موسيقيينَ أتراكٍ، ربما هو الأولُ في هذه الحقبةِ التي لم تتضحْ معالمُها بعد، قدَّمَ خالد نفسَهُ في أكثرَ من قالبٍ موسيقيٍّ، منها البوب، والمقسوم الطربيُّ الراقصُ، مجرباً صوتَهُ في موشحاتٍ تراثيةٍ، وأغنيةِ "ميدلي" تراثيةٍ، بل وأتتْ فريقَ العملِ الفرصةُ للتجريبِ في أغنيةٍ لبنانيةٍ "كنا وكان"، كهجمةٍ مرتدةٍ على طوفانِ مطربي لبنان، وغزوِهم للأغنيةِ المصريةِ في هذا الوقتِ.
بشكلٍ كبيرٍ نجحَ فريقُ العملِ في استغلالِ مساحاتِ صوتِ خالد، تنوعاً بين التطريبِ في أغنيةِ الميدلي "أيام زمان" مثلاً، لإبرازِ قدراتِهِ المختلفةِ، من وجهةِ نظري، أتى صوتُ خالد في مساحةٍ متوسطةٍ، فهو لا يبالغُ في الاستعراضِ، ولا يبالغُ في الخفةِ، ولكَ الحُكمُ.
أؤمنُ وبشكلٍ كبيرٍ، أنَّ هذا الألبومَ إنْ تمَّتْ إعادةُ طرحِهِ حالياً، سيلقى نجاحاً كبيراً، وقتَ إنتاجِ الألبومِ كانت مرحلةً انتقاليةً، ما بين شرائطِ الكاسيت والسيديهات، وانتشارُ الإنترنتِ كان محدوداً للغايةِ، مَنْ يشتري الشريطَ فقط هو مَنْ سيحظى بتجربةِ استماعٍ كاملةٍ، وهي الآن تجربةٌ صعبةٌ حتى الآن، لقلةِ المعلوماتِ المتاحةِ عن الألبومِ وحتى قلةِ الأخبارِ والصورِ.
بإمكانِك الاستماعُ لهذا الألبومِ على موقعِ "أنغامي"، وأؤكدُ تماماً على الاستماعِ عبر قنواتٍ شرعيةٍ حفظاً لحقوقِ فريقِ العملِ.
"عالم تاني" حَمَلَتْ توزيعاً مميزاً، ابتعدَ عن الموسيقى الإلكترونيةِ الصرفةِ، واستخدمَ الوترياتِ والكورسَ مع إفرادِ مساحاتٍ واسعةٍ لصوتِ خالد نفسِهِ، وهي أغنيةٌ حالمةٌ ومميزةٌ، كأنها تكملةٌ لأغنيةٍ أخرى في نفسِ الألبوم "موج البحر"، كلتاهما تحملانِ نفسَ الحالةِ الشعوريةِ، التي أخرجتْ لنا كليب "عالم تاني" والذي ظهرَ فيه "خالد" يحبُّ "حوريةَ بحرٍ".
"ولا يستاهل" أغنيةٌ مميزةٌ أخرى، كلماتُها يشوبُها بعضُ التكرارِ مثل أغنياتِ تلك الفترةِ، لكنَّ اللحنَ المميزَ من "نادر نور" يستخدمُ تلك الكلماتِ بشكلٍ جيدٍ لكنها لم تختبرْ صوتَ خالد، على العكسِ، في لحنِ "قدَّكَ المياس" وهو أحدُ القدودِ الحلبيةِ القديمةِ، بتوزيعٍ مميزٍ من "إسماعيل تونشبليك"، أتتْ مميزةً بروحِ العصرِ، تجمعُ بين الأصالةِ والحداثةِ في آنٍ واحدٍ.
"هشام طرخان" قدَّمَ أغنيةَ "إيه السر" في هذا الألبومِ أيضاً، لحنٌ كلاسيكيٌّ، والتوزيعُ والكورسُ ذكَّرني كثيراً بأغنياتِ "علي الحجار" في نفسِ الحقبةِ التاريخيةِ، واستمرَّ التعاونُ بين طرخان وخالد في ألبومِهِما المقبلِ أيضاً.
أعجبني في هذا الألبومِ: كنا وكان – ولا يستاهل – عالم تاني – أيام زمان – قدَّك المياس.
قدَّمَ "خالد سليم" أوراقَ اعتمادِهِ للجمهورِ في هذا العامِ، تمهيداً للخطوةِ القادمةِ "ولا ليلة ولا يوم" التي أعتزُّ بها بشكلٍ شخصيٍّ، وارتبطتُ بها عاطفياً ربما أكثرَ مما يجبُ.
إلي اللقاء في الجزء الثاني،
مصادر: موقع ونين
قناة خالد سليم الرسمية علي يوتيوب
ألبوم "عالم تاني" علي أنغامي.
كتب في ليل الجيزة - 27 يناير 2026.
المراجعة اللغوية وتنقيح النص بواسطة Gemini.
حقوق الطبع والنشر والكتابة محفوظة ل"ريم عصام مصطفي".
مقال هايل، في إنتظار الجزء الثاني
ردحذفبراڤو 👏