بليغ..ألف شمعة..للأبد...


كعادتي، في كل عام تحل فيه ذكري حبيبي "بليغ حمدي"، امضي يوم ميلاده ويوم ذكري وفاته وأنا أفكر فيه، وأستمتع بموسيقاه، وأوّد صديقي العزيز "تامر حمدي" ابن شقيقه، الذي يحمل من رائحة عمه الكثير، والتي تجعلني أود لو كنت في مصر لأراه كثيرا وأتحدث معه كثيرا...

الذكري مضت من يومين أو ثلاثة، كنت كعادتي لست في مزاج الكتابة، لكنني دوما في مزاج يسمح لي بالتغزل في "بليغ حمدي"، وقررت اليوم، بما إنها نهاية الأسبوع، أن اكتب شيئا في يوم ميلاده العطر، والذي كان فتحا ونصرا ونورا علي تاريخ الموسيقي الشرقية أجمع...

وبما إني خارج البلد وأعاني بعض الشئ من الحنين لتراب الوطن "حرفيا" فاخترت لكم اليوم أغنيتين من ألحان بليغ حمدي، من ألحان فترة الثمانينيات، يمكن لا يعرفهما الكثيرين، لكنهما من أعذب الألحان التي سمعتها يوما، اللحنين لبليغ حمدي بالقطع، وقد غناهما بصوته، بالاضافة للمغنيين الأصليين..

1. الأغنية الأولي "رغم البعد عنك"
كلمات وألحان: بليغ حمدي
أداء: عفاف راضي.

صدرت أغنية "رغم البعد عنك" من ضمن ألبوم "رسالة من الغربة"، وهي أغنيات Guide بصوت بليغ حمدي أرسلها من باريس لكن بشكل أو بآخر انتقلت الأغنيات من كونها أغنيات دليلية لتصبح ألبوم مستقل، حقق نجاحا كبيرا، لكننا هنا اليوم لنلقي الضوء علي الأغنية بنسخة "عفاف راضي" وهي الأجمل في جودتها الصوتية، وأداءها الهادي الرائع.
تبدأ الأغنية بتمويجة للحن كأنه صادر من فيلم كارتون، ثم نتحول إلي البيانو والذي يشكل قوام اللحن بشكل كبير، تليه الوتريات، من قانون لكمنجة، والبركشنز، ثم تدخل عفاف راضي بصوتها الجميل، خلفها الكورس من رجال ونساء.

"رغم البعد عنك..عمري ما هنسي إنك، أمي واني بنتك، وكلي حتة منك.." في نسخة "بليغ" من الأغنية طبعا كانت "أمي واني إبنك"، طبيعي..

بساطة اللحن لا تسمح لصوت عفاف راضي بخلق العرب الصوتية ولا استعراض الصوت، فقط المشاعر الجياشة بالحنين للوطن تصلك من صوت عفاف، كما ان استخدام البركشنز خلف صوت عفاف أضفي قليلا من البهجة علي اللحن، علي عكس نسخة "بليغ" التي أصابتني للأسف بكآبة شديدة لما سمعتها، لأنني أعلم القصة ومافيها..

توزيع الأغنية أخفي تماما الحزن الدفين في الأغنية، كما أن استخدام الكورس جعلها مشرقة بشكل أكبر، كذلك الكمنجات في الخلفية، مع توزيع الكيبورد، مفردات الأغنية لم تكن بالتنوع الرهيب الذي اعتدنا عليه أغنيات بليغ السابقة، فكما نعرف أن بليغ الشاعر فقط وجد ليسد فراغ لم يكن أي شاعر يقدر علي سده في حياة بليغ، ف بعد خروجه من مصر، وانسحاب "محمد حمزة"، وابتعاد "الأبنودي" عن الشعر الغنائي بشكل كبير، ظهرت الحاجة للشاعر بليغ حمدي، صاحب المفردات البسيطة المعبرة مثل 

"أنا شوق سهران ليلاتي، 
ملهاش معني حياتي،
 ولا طعم في ليل الغربة، 
علي صوت غير صوت آهاتي،
 لما أسمعها تقولي..وحشتيني يا مصر.."

في النهاية، يكفي أنه كان قادرا علي التعبير، فأخرج لنا أغنيات مثل: الحب الي كان، انا بعشقك، باودعك، وغيرها من الأغنيات الجميلة، ثم في نهاية كل كوبلية، يصيح الجميع "وحشتيني يا مصر"، في بهجة لم أعتد وجودها في نسخة الأغنية الأصلية لبليغ، الذي كنت أجده يصيح ألما لا شوقا لمصر...

استمع لأغنية "رغم البعد عنك" بصوت عفاف راضي من هنا:


واستمع للأغنية في نسختها الأصلية من "بليغ حمدي" من هنا:






2. الأغنية الثانية "القمر مسافر"
كلمات وألحان: بليغ حمدي
أداء: نهاد طربية.

الأغنية الثانية لهذه الليلة معنا هي أغنية "القمر مسافر" أو "دقيت علي الأبواب" وهي أغنية تفرق دمها بين القبائل، فغنانا إياها "بليغ حمدي" في نسخة علي العود، ثم "أحمد عدوية" ثم "رمضان البرنس" وأخيرا، صاحبها الأصلي "نهاد طربية"، لماذا هو صاحبها الأصلي؟ بالتأكيد لأنه المطرب الوحيد المسجل له الأغنية في استوديو، في تسجيل جميل، أعتز بأنني أحد القلائل الذين سمعوه، طوبالأمانة، لا صوت يعجبني بعد صوت بليغ سوي "نهاد".

تبدأ الأغنية بافتاتحية كلاسيكية، كمنجات هادرة مع بركشنز، ونايات حزينة، امعانا واغراقا في جو الحزن، لكن لا يفوتنا ايقاع بليغ المظبوط، يتباطئ اللحن تدريجيا، ليدخل نهاد مع صوته العظيم...

"دقيت علي الأبواب..قالو كفاية..
ده مفيش حد..
وناديت علي الأبواب قالو كفاية..
ومين هيرد؟
ده القمر مسافر...
والسهر مسافر..
والفرحة مسافرة..
حتي الحزن سافر..."

ثم يبدأ اللحن في التصاعد العظيم:

"كل الناس مسافرة..
وهي قريبة مني..
كل الناس في غربة..
ومين هيسأل عني؟؟!
دحنا قريبين..
وهما قريبين..
لكن من سنين..
كلنا مسافرين.."

قماشة اللحن في مطلع الأغنية تسمع لنهاد بأن يستعرض عضلات صوته القوي، لكن من أقل طبقات صوته، بدون زعيق، أو ازعاج للمستمع...وانتقال اللحن بسلاسة من جملة لجملة، لن يفعله أحد غير بليغ، خصوصا في جزء "محنا قريبين، وهما قريبين.."، يشعرك بكم الأسي الذي شعر به بليغ وقت تلحين الأغنية.

تمتد الأغنية بفاصل موسيقي يجمع ما بين الكمنجات والناي، حتي يمتد صوت نهاد مرة أخري في كوبليه آخر:

"يا زمان الحب فين؟
يا عهد الأمان؟
كان لينا معاك حكاية..
خلصت قبل الأوان.."

ثم يلتف اللحن مرة أخري ليؤكد أن "كل الناس مسافرة، وهي قريبة مني، كل الناس في غربة، ومين هيسأل عني..!؟" اغراقا في الشجن والحزن العظيم...
الحقيقة ان الأغنية لا تحتاج كل هذه الآلات لتوزيعها، فقط حاول أن تستمع لها وهي بصوت بليغ علي العود، أو حتي صوت نهاد طربية علي العود لتعلم ان اللحن الرشيق لا يحتمل كل هذا الضجيج...

اسمع "القمر مسافر" بصوت بليغ حمدي:


اسمع "القمر مسافر" بصوت رمضان البرنس:



اسمع "القمر مسافر" بصوت أحمد عدوية:

وأخيرا إسمع "القمر مسافر" بصوت "نهاد طربية":


تعليقات

المشاركات الشائعة